جلال الدين الرومي

160

فيه ما فيه

قال المسيحي نحن وجدناه هكذا فاتخذناه ملة ، قلت أنت إذا وجدت وورثت من تركة أبيك ذهبا وقلبا أسود فاسدا ما تبدله بذهب صحيح المعيار صافيا عن الغل والغش بل تأخذ القلب وتقول وجدنا هذا أو بقيت من أبيك يد شلاء ووجدت دواء وطبيبا يصلح يدك الأشل ما تقبل وتقول وجدت يدي هكذا أشل فلا أرغب إلى تبديله أو وجدت ماء مالحا في ضيعة مات فيها أبوك وتربيت فيها ثم هديت إلى ضيعه أخرى ماؤها عذب ونباتها حلو وأهلها أصحاء ما ترغب إلى النقل إليها والشرب من الماء العذب يذهب عنك الأمراض والعلل بل تقول إنا وجدنا تلك الضيعة وماءها المالح المورث للعلل فتمسك بما وجدنا ، حاشا لا يفعل هذا ولا يقول هذا من كان عاملا أو ذا حس صحيح : إن اللّه تعالى أعطاك عقلا على حدة غير عقل أبيك ونظرا على حدة غير نظر أبيك وتمييزا على حدة فلم تعطل نظرك وعقلك وتتبع عقلا يرديك ولا يهديك ؟ يوراش كان أبوه إسكافيا فلما وصل إلى حضرة السلطان وعلّم آداب الملوك والسلاح دراية وإعطاء على المناصب قط ما قال أنّا وجدنا آبانا إسكافيا فلا نريد هذه المرتبة بل أعطني أيها السلطان دكانا في السوق أتعانى السكافة بل الكلب مع كمال خسّته إذا علم الصيد وصار صيادا للسلطان نسي ما وجد من أبيه وأمه وهو السكون في المتبن والخرابات والحرص على الجيف بل يتبع خيل السلطان ويتابع الصيود ، وكذا الباز إذا أدبه السلطان لا يقول إنّا وجدنا من آبائنا قفار الجبال وأكل الميتة فلا نلتفت إلى طبل السلطان ولا إلى صيده فإذا كان عقلي الحيوان يتشبث بما وجد أحسن مما ورث من أبويه ؛ فمن السمج الفاحش أن يكون الإنسان